فصل: باب الْعَمَلِ بِإِلْحَاقِ الْقَائِفِ الْوَلَدَ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج المشهور بـ «شرح النووي على مسلم»



.باب رَضَاعَةِ الْكَبِيرِ:

2636- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَرْضِعِيهِ» قَالَ الْقَاضِي: لَعَلَّهَا حَلَبَتْهُ ثُمَّ شَرِبَهُ مِنْ غَيْر أَنْ يَمَسّ ثَدْيهَا وَلَا اِلْتَقَتْ بَشَرَتَاهُمَا، وَبِهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي حَسُنَ، وَيَحْتَمِل أَنَّهُ عُفِيَ عَنْ مَسّه لِلْحَاجَةِ كَمَا خُصَّ بِالرَّضَاعَةِ مَعَ الْكِبَر وَاَللَّه أَعْلَم.
2638- قَوْله: (مَكَثْت سَنَة أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا لَا أُحَدِّث بِهِ وَهِبْته) هَكَذَا هُوَ فِي بَعْض النُّسَخ (وَهِبْته) مِنْ الْهَيْبَة وَهِيَ الْإِجْلَال، وَفِي بَعْضهَا (رَهِبْتُهُ) بِالرَّاءِ مِنْ الرَّهْبَة وَهِيَ الْخَوْف وَهِيَ بِكَسْرِ الْهَاء وَإِسْكَان الْبَاء وَضَمّ التَّاء وَضَبَطَهُ الْقَاضِي وَبَعْضهمْ (رَهْبَته) بِإِسْكَانِ الْهَاء وَفَتْح الْبَاء وَنَصْب التَّاء قَالَ الْقَاضِي: هُوَ مَنْصُوب بِإِسْقَاطِ حَرْف الْجَرّ وَالضَّبْط الْأَوَّل أَحْسَن وَهُوَ الْمُوَافِق لَلنُّسَخ الْأُخَر (وَهِبْته) بِالْوَاوِ.
2639- وَقَوْلهَا: «يَدْخُل عَلَيْك الْغُلَام الْأَيْفَع» هُوَ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة مِنْ تَحْت وَبِالْفَاءِ، وَهُوَ الَّذِي قَارَبَ الْبُلُوغ وَلَمْ يَبْلُغ وَجَمْعه (أَيْفَاع) وَقَدْ أَيْفَعَ الْغُلَام وَيَفَع وَهُوَ يَافِع وَاَللَّه أَعْلَم.

.باب جَوَازِ وَطْءِ الْمَسْبِيَّةِ بَعْدَ الاِسْتِبْرَاءِ وَإِنْ كَانَ لَهَا زَوْجٌ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا بِالسَّبْيِ:

2643- وَقَوْله: (حَدَّثَنَا يَزِيد بْن زُرَيْع حَدَّثَنَا سَعِيد بْن عَرُوبَة عَنْ قَتَادَة عَنْ صَالِح أَبِي الْخَلِيل عَنْ أَبِي عَلْقَمَة الْهَاشِمِيّ عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ)، وَفِي الطَّرِيق الثَّانِي (عَنْ عَبْد الْأَعْلَى عَنْ سَعِيد عَنْ قَتَادَة عَنْ أَبِي الْخَلِيل عَنْ أَبِي عَلْقَمَة عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ)، وَفِي الطَّرِيق الْآخَر (عَنْ شُعْبَة عَنْ قَتَادَة عَنْ أَبِي الْخَلِيل عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ) مِنْ غَيْر ذِكْر أَبِي عَلْقَمَة، هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع نُسَخ بِلَادنَا، وَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو عَلِيّ الْغَسَّانِيّ عَنْ رِوَايَة الْجُلُودِي وَابْن مَاهَان قَالَ: وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِيّ قَالَ: وَوَقَعَ فِي نُسْخَة اِبْن الْحَذَّاء بِإِثْبَاتِ (أَبِي عَلْقَمَة) بَيْن أَبِي الْخَلِيل وَأَبِي سَعِيد، قَالَ الْغَسَّانِيّ: وَلَا أَدْرِي مَا صَوَابه.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: قَالَ غَيْر الْغَسَّانِيّ: بِإِثْبَاتِ أَبِي عَلْقَمَة هُوَ الصَّوَاب. قُلْت: وَيَحْتَمِل أَنَّ إِثْبَاته وَحَذْفه كِلَاهُمَا صَوَاب وَيَكُون أَبُو الْخَلِيل سَمِعَ بِالْوَجْهَيْنِ فَرَوَاهُ تَارَة كَذَا وَتَارَة كَذَا وَقَدْ سَبَقَ فِي أَوَّل الْكِتَاب بَيَان أَمْثَال هَذَا.
قَوْله: «بَعَثَ جَيْشًا إِلَى أَوْطَاس» أَوْطَاس مَوْضِع عِنْد الطَّائِف يُصْرَف وَلَا يُصْرَف سَبَقَ بَيَانه قَرِيبًا.
قَوْله: «فَأَصَابُوا لَهُمْ سَبَايَا فَكَأَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحَرَّجُوا مِنْ غِشْيَانهمْ مِنْ أَجْل أَزْوَاجهنَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى فِي ذَلِكَ: {وَالْمُحْصَنَات مِنْ النِّسَاء إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ} أَيْ فَهُنَّ لَكُمْ حَلَال إِذَا اِنْقَضَتْ عِدَّتهنَّ» مَعْنَى (تَحَرَّجُوا) خَافُوا الْحَرَج وَهُوَ الْإِثْم مِنْ غِشْيَانِهِنَّ أَيْ مِنْ وَطْئِهِنَّ مِنْ أَجْل أَنَّهُنَّ زَوْجَات وَالْمُزَوَّجَة لَا تَحِلّ لِغَيْرِ زَوْجهَا، فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى إِبَاحَتهنَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْمُحْصَنَات مِنْ النِّسَاء إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ} وَالْمُرَاد بِالْمُحْصَنَاتِ هُنَا الْمُزَوَّجَات، وَمَعْنَاهُ وَالْمُزَوَّجَات حَرَام عَلَى غَيْر أَزْوَاجهنَّ إِلَّا مَا مَلَكْتُمْ بِالسَّبْيِ، فَإِنَّهُ يَنْفَسِخ نِكَاح زَوْجهَا الْكَافِر وَتَحِلّ لَكُمْ إِذَا اِنْقَضَى اِسْتِبْرَاؤُهَا وَالْمُرَاد بِقَوْلِهِ: إِذَا اِنْقَضَتْ عِدَّتهنَّ أَيْ اِسْتِبْرَاؤُهُنَّ، وَهِيَ بِوَضْعِ الْحَمْل عَنْ الْحَامِل، وَبِحَيْضَةٍ مِنْ الْحَائِل كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ مِنْ الْعُلَمَاء أَنَّ الْمَسْبِيَّة مِنْ عَبَدَة الْأَوْثَان وَغَيْرهمْ مِنْ الْكُفَّار الَّذِينَ لَا كِتَاب لَهُمْ لَا يَحِلّ وَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِين حَتَّى تُسْلِم فَمَا دَامَتْ عَلَى دِينهَا فَهِيَ مُحَرَّمَة، فَهَؤُلَاءِ الْمَسْبِيَّات كُنَّ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَب عَبَدَة الْأَوْثَان، فَيُؤَوَّل هَذَا الْحَدِيث وَشِبْهه عَلَى أَنَّهُنَّ أَسْلَمْنَ، وَهَذَا التَّأْوِيل لابد مِنْهُ وَاَللَّه أَعْلَم.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْأَمَة إِذَا بِيعَتْ وَهِيَ مُزَوَّجَة مُسْلِمًا هَلْ يَنْفَسِخ النِّكَاح وَتَحِلّ لِمُشْتَرِيهَا أَمْ لَا فَقَالَ اِبْن عَبَّاس يَنْفَسِخ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {وَالْمُحْصَنَات مِنْ النِّسَاء إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ} وَقَالَ سَائِر الْعُلَمَاء: لَا يَنْفَسِخ وَخَصُّوا الْآيَة بِالْمَمْلُوكَةِ بِالسَّبْيِ.
قَالَ الْمَازِرِيّ: هَذَا الْخِلَاف مَبْنِيّ عَلَى أَنَّ الْعُمُوم إِذَا خَرَجَ عَلَى سَبَب هَلْ يُقْصَر عَلَى سَبَبه أَمْ لَا؟ فَمَنْ قَالَ: لَا يُقْصَر بَلْ يُحْمَل عَلَى عُمُومه قَالَ: يَنْفَسِخ نِكَاح الْمَمْلُوكَة بِالشِّرَاءِ. لَكِنْ ثَبَتَ فِي حَدِيث شِرَاء عَائِشَة (بَرِيرَة) أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيَّرَ بَرِيرَة فِي زَوْجهَا فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْفَسِخ بِالشِّرَاءِ لَكِنْ هَذَا تَخْصِيص عُمُوم الْقُرْآن بِخَبَرِ الْوَاحِد وَفِي جَوَازه خِلَاف وَاَللَّه أَعْلَم.

.باب الْوَلَدِ لِلْفِرَاشِ وَتَوَقِّي الشُّبُهَاتِ:

2645- قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْوَلَد لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَر» قَالَ الْعُلَمَاء: الْعَاهِر الزَّانِي وَعَهَرَ زَنَى وَعَهَرَتْ زَنَتْ وَالْعَهْر الزِّنَا، وَمَعْنَى الْحَجَر أَيْ لَهُ الْخَيْبَة وَلَا حَقّ لَهُ فِي الْوَلَد وَعَادَة الْعَرَب أَنَّ الْعَرَب تَقُول: لَهُ الْحَجَر وَبِفيه الْأَثْلَب، وَهُوَ التُّرَاب. وَنَحْو ذَلِكَ يُرِيدُونَ لَيْسَ لَهُ إِلَّا الْخَيْبَة وَقِيلَ: الْمُرَاد بِالْحَجَرِ هُنَا أَنْ يُرْجَم بِالْحِجَارَةِ وَهَذَا ضَعِيف لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلّ زَانٍ يُرْجَم وَإِنَّمَا يُرْجَم الْمُحْصَن خَاصَّة وَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ رَجْمه نَفْي الْوَلَد عَنْهُ، وَالْحَدِيث إِنَّمَا وَرَدَ فِي نَفْي الْوَلَد عَنْهُ.
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْوَلَد لِلْفِرَاشِ»، فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ لِلرَّجُلِ زَوْجَة أَوْ مَمْلُوكَة صَارَتْ فِرَاشًا لَهُ فَأَتَتْ بِوَلَدٍ لِمُدَّةِ الْإِمْكَان مِنْهُ لَحِقَهُ الْوَلَد وَصَارَ وَلَدًا يَجْرِي بَيْنهمَا التَّوَارُث وَغَيْره مِنْ أَحْكَام الْوِلَادَة، سَوَاء كَانَ مُوَافِقًا لَهُ فِي الشَّبَه أَمْ مُخَالِفًا. وَمُدَّة إِمْكَان كَوْنه مِنْهُ سِتَّة أَشْهُر مِنْ حِين اِجْتِمَاعهمَا.
أَمَّا مَا تَصِير بِهِ الْمَرْأَة فِرَاشًا، فَإِنْ كَانَتْ زَوْجَة صَارَتْ فِرَاشًا بِمُجَرَّدِ عَقْد النِّكَاح وَنَقَلُوا فِي هَذَا الْإِجْمَاع وَشَرَطُوا إِمْكَان الْوَطْء بَعْد ثُبُوت الْفِرَاش. فَإِنْ لَمْ يُمْكِن بِأَنْ يَنْكِح الْمَغْرِبِيّ مَشْرِقِيَّة وَلَمْ يُفَارِق وَاحِد مِنْهُمَا وَطَنه ثُمَّ أَتَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُر أَوْ أَكْثَر لَمْ يَلْحَقهُ لِعَدَمِ إِمْكَان كَوْنه مِنْهُ. وَهَذَا قَوْل مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَالْعُلَمَاء كَافَّة إِلَّا أَبَا حَنِيفَة فَلَمْ يَشْتَرِط الْإِمْكَان بَلْ اِكْتَفَى بِمُجَرَّدِ الْعَقْد.
قَالَ: حَتَّى لَوْ طَلَّقَ عَقِب الْعَقْد مِنْ غَيْر إِمْكَان وَطْء فَوَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُر مِنْ الْعَقْد لَحِقَهُ الْوَلَد، وَهَذَا ضَعِيف ظَاهِر الْفَسَاد وَلَا حُجَّة لَهُ فِي إِطْلَاق الْحَدِيث، لِأَنَّهُ خَرَجَ عَلَى الْغَالِب وَهُوَ حُصُول الْإِمْكَان عِنْد الْعَقْد، هَذَا حُكْم الزَّوْجَة.
وَأَمَّا الْأَمَة فَعِنْد الشَّافِعِيّ وَمَالِك تَصِير فِرَاشًا بِالْوَطْءِ، وَلَا تَصِير فِرَاشًا بِمُجَرَّدِ الْمِلْك حَتَّى لَوْ بَقِيَتْ فِي مِلْكه سِنِينَ وَأَتَتْ بِأَوْلَادٍ وَلَمْ يَطَأهَا وَلَمْ يُقِرّ بِوَطْئِهَا لَا يَلْحَقهُ أَحَد مِنْهُمْ، فَإِذَا وَطِئَهَا صَارَتْ فِرَاشًا، فَإِذَا أَتَتْ بَعْد الْوَطْء بِوَلَدٍ أَوْ أَوْلَادٍ لِمُدَّةِ الْإِمْكَان لَحِقُوهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة: لَا تَصِير فِرَاشًا إِلَّا إِذَا وَلَدَتْ وَلَدًا وَاسْتَلْحَقَهُ، فَمَا تَأْتِي بِهِ بَعْد ذَلِكَ يَلْحَقهُ إِلَّا أَنْ يَنْفيه، قَالَ لَوْ صَارَتْ فِرَاشًا بِالْوَطْءِ لَصَارَتْ بِعَقْدِ الْمِلْك كَالزَّوْجَةِ.
قَالَ أَصْحَابنَا: الْفَرْق أَنَّ الزَّوْجَة تُرَاد لِلْوَطْءِ خَاصَّة فَجَعَلَ الشَّرْع الْعَقْد عَلَيْهَا كَالْوَطْءِ لَمَّا كَانَ هُوَ الْمَقْصُود، وَأَمَّا الْأَمَة تُرَاد لِمِلْكِ الرَّقَبَة وَأَنْوَاع مِنْ الْمَنَافِع غَيْر الْوَطْء وَلِهَذَا يَجُوز أَنْ يَمْلِك أُخْتَيْنِ وَأُمًّا وَبِنْتهَا وَلَا يَجُوز جَمْعهمَا بِعَقْدِ النِّكَاح فَلَمْ تَصِرْ بِنَفْسِ الْعَقْد فِرَاشًا فَإِذَا حَصَلَ الْوَطْء صَارَتْ كَالْحُرَّةِ وَصَارَتْ فِرَاشًا.
وَاعْلَمْ أَنَّ حَدِيث عَبْد بْن زَمْعَة الْمَذْكُور هُنَا مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ ثَبَتَ مَصِير أَمَة أَبِيهِ زَمْعَة فِرَاشًا لِزَمْعَةَ فَلِهَذَا أَلْحَقَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ الْوَلَد. وَثُبُوت فِرَاشه إِمَّا بِبَيِّنَةٍ عَلَى إِقْرَاره بِذَلِكَ فِي حَيَاته وَإِمَّا بِعِلْمِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ. وَفِي هَذَا دَلَالَة لِلشَّافِعِيِّ وَمَالِك عَلَى أَبِي حَنِيفَة فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِزَمْعَةَ وَلَد آخَر مِنْ هَذِهِ الْأَمَة قَبْل هَذَا وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ خِلَاف مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَة.
وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلَالَة لِلشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ عَلَى مَالِك وَمُوَافِقِيهِ فِي اِسْتِلْحَاق النَّسَب لِأَنَّ الشَّافِعِيّ يَقُول: بِجَوَازِ أَنْ يُسْتَحْلَق الْوَارِث نَسَبًا لِمُوَرِّثِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُون حَائِزًا لِلْإِرْثِ أَوْ يَسْتَلْحِقهُ كُلّ الْوَرَثَة، وَبِشَرْطِ أَنْ يُمْكِن كَوْن الْمُسْتَلْحَق وَلَدًا لِلْمَيِّتِ، وَبِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُون مَعْرُوف النَّسَب مِنْ غَيْره، وَبِشَرْطِ أَنْ يُصَدِّقهُ الْمُسْتَلْحَق إِنْ كَانَ عَاقِلًا بَالِغًا. وَهَذِهِ الشُّرُوط كُلّهَا مَوْجُودَة فِي هَذَا الْوَلَد الَّذِي أَلْحَقَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِزَمْعَةَ حِين اِسْتَلْحَقَهُ عَبْد بْن زَمْعَة.
وَيَتَأَوَّل أَصْحَابنَا هَذَا تَأْوِيلَيْنِ: أَحَدهمَا أَنَّ سَوْدَة بِنْت زَمْعَة عَبْد اِسْتَلْحَقَتْهُ مَعَهُ وَوَافَقَتْهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى تَكُون كُلّ الْوَرَثَة مُسْتَلْحَقِينَ، وَالتَّأْوِيل الثَّانِي أَنَّ زَمْعَة مَاتَ كَافِرًا فَلَمْ تَرِثهُ سَوْدَة لِكَوْنِهَا مُسْلِمَة وَوَرِثَهُ عَبْد بْن زَمْعَة.
وَأَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَة» فَأَمَرَهَا بِهِ نَدْبًا وَاحْتِيَاطًا، لِأَنَّهُ فِي ظَاهِر الشَّرْع أَخُوهَا لِأَنَّهُ أُلْحِقَ بِأَبِيهَا، لَكِنْ لَمَّا رَأَى الشَّبَه الْبَيِّن بِعُتْبَةَ بْن أَبِي وَقَّاص خَشِيَ أَنْ يَكُون مِنْ مَائِهِ فَيَكُون أَجْنَبِيًّا، مِنْهَا فَأَمَرَهَا، بِالِاحْتِجَابِ مِنْهُ اِحْتِيَاطًا.
قَالَ الْمَازِرِيّ: وَزَعَمَ بَعْض الْحَنَفِيَّة أَنَّهُ إِنَّمَا أَمَرَهَا بِالِاحْتِجَابِ لِأَنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَة: «اِحْتَجِبِي مِنْهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِأَخٍ لَك» وَقَوْله: «لَيْسَ بِأَخٍ لَك» لَا يُعْرَف فِي هَذَا الْحَدِيث بَلْ هِيَ زِيَادَة بَاطِلَة مَرْدُودَة وَاَللَّه أَعْلَم.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رَضِيَ اللَّه عَنْهُ: كَانَتْ عَادَة الْجَاهِلِيَّة إِلْحَاق النَّسَب بِالزِّنَا وَكَانُوا يَسْتَأْجِرْنَ الْإِمَاء لِلزِّنَا فَمَنْ اِعْتَرَفَتْ الْأُمّ بِأَنَّهُ لَهُ أَلْحَقُوهُ بِهِ فَجَاءَ الْإِسْلَام بِإِبْطَالِ ذَلِكَ وَبِإِلْحَاقِ الْوَلَد بِالْفِرَاشِ الشَّرْعِيّ، فَلَمَّا تَخَاصَمَ عَبْد بْن زَمْعَة وَسَعْد بْن أَبِي وَقَّاص وَقَامَ سَعْد بِمَا عَهِدَ إِلَيْهِ أَخُوهُ عُتْبَة مِنْ سِيرَة الْجَاهِلِيَّة وَلَمْ يَعْلَم سَعْد بُطْلَان ذَلِكَ فِي الْإِسْلَام وَلَمْ يَكُنْ حَصَلَ إِلْحَاقه فِي الْجَاهِلِيَّة، إِمَّا لِعَدَمِ الدَّعْوَى، وَإِمَّا لِكَوْنِ الْأُمّ لَمْ تَعْتَرِف بِهِ لِعُتْبَة، وَاحْتَجَّ عَبْد بْن زَمْعَة بِأَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاش أَبِيهِ فَحَكَمَ لَهُ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَوْله: «رَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْوَلَد لِلْفِرَاشِ» دَلِيل عَلَى أَنَّ الشَّبَه وَحُكْم الْقَافَة إِنَّمَا يُعْتَمَد إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَقْوَى مِنْهُ كَالْفِرَاشِ كَمَا لَمْ يَحْكُم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشَّبَهِ فِي قِصَّة الْمُتَلَاعِنَيْنِ مَعَ أَنَّهُ جَاءَ عَلَى الشَّبَه الْمَكْرُوه. وَاحْتَجَّ بَعْض الْحَنَفِيَّة وَمُوَافِقِيهِمْ بِهَذَا الْحَدِيث، عَلَى أَنَّ الْوَطْء بِالزِّنَا لَهُ حُكْم الْوَطْء بِالنِّكَاحِ فِي حُرْمَة الْمُصَاهَرَة، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَة وَالْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْرِيّ وَأَحْمَد وَقَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر وَغَيْرهمْ لَا أَثَر لِوَطْءِ الزِّنَا، بَلْ لِلزَّانِي أَنْ يَتَزَوَّج أُمّ الْمَزْنِيّ بِهَا وَبِنْتهَا، بَلْ زَادَ الشَّافِعِيّ: فَجَوَّزَ نِكَاح الْبِنْت الْمُتَوَلِّدَة مِنْ مَائِهِ بِالزِّنَا. قَالُوا وَوَجْه الِاحْتِجَاج بِهِ أَنَّ سَوْدَة أُمِرَتْ بِالِاحْتِجَابِ وَهَذَا اِحْتِجَاج بَاطِل وَالْعَجَب مِمَّنْ ذَكَرَهُ، لِأَنَّ هَذَا عَلَى تَقْدِير كَوْنه مِنْ الزِّنَا وَهُوَ أَجْنَبِيّ مِنْ سَوْدَة لَا يَحِلّ لَهَا الظُّهُور لَهُ سَوَاء أُلْحِقَ بِالزَّانِي أَمْ لَا، فَلَا تَعَلُّق لَهُ بِالْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَة.
وَفِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ حُكْم الْحَاكِم لَا يُحِيل الْأَمْر فِي الْبَاطِن، فَإِذَا حُكِمَ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْ زُور أَوْ نَحْو ذَلِكَ، لَمْ يَحِلّ الْمَحْكُوم بِهِ لِلْمَحْكُومِ لَهُ. وَمَوْضِع الدَّلَالَة أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَكَمَ بِهِ لِعَبْدِ بْن زَمْعَة وَأَنَّهُ أَخ لَهُ وَلِسَوْدَةَ، وَاحْتُمِلَ بِسَبَبِ الشَّبَه أَنْ يَكُون مِنْ عُتْبَة فَلَوْ كَانَ الْحُكْم يُحِيل الْبَاطِن لَمَا أَمَرَهَا بِالِاحْتِجَابِ وَاَللَّه أَعْلَم.

.باب الْعَمَلِ بِإِلْحَاقِ الْقَائِفِ الْوَلَدَ:

2647- قَوْله: «عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا قَالَتْ إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَيَّ مَسْرُورًا تَبْرُق أَسَارِير وَجْهه فَقَالَ: أَلَمْ تَرِي أَنَّ مُجَزِّزًا نَظَرَ آنِفًا إِلَى زَيْد بْن حَارِثَة وَأُسَامَة بْن زَيْد فَقَالَ إِنَّ بَعْض هَذِهِ الْأَقْدَام لَمِنْ بَعْض؟» قَالَ أَهْل اللُّغَة قَوْله: (تَبْرُق)، بِفَتْحِ التَّاء وَضَمّ الرَّاء أَيْ تُضِيء وَتَسْتَنِير مِنْ السُّرُور وَالْفَرَح و(الْأَسَارِير) هِيَ الْخُطُوط الَّتِي فِي الْجَبْهَة وَاحِدهَا سِرّ وَسُرُور وَجَمْعه أَسْرَار وَجَمْع الْجَمْع (أَسَارِير) وَأَمَّا (مُجَزِّز) فَبِمِيمٍ مَضْمُومَة ثُمَّ جِيم مَفْتُوحَة ثُمَّ زَاي مُشَدَّدَة مَكْسُورَة ثُمَّ زَاي أُخْرَى هَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور، وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ الدَّارَقُطْنِيِّ وَعَبْد الْغَنِيّ أَنَّهُمَا حَكَيَا عَنْ اِبْن جُرَيْجٍ أَنَّهُ بِفَتْحِ الزَّاي الْأُولَى وَعَنْ اِبْن عَبْد الْبَرّ وَأَبِي عَلِيّ الْغَسَّانِيّ أَنَّ جُرَيْجًا قَالَ: أَنَّهُ (مُحْرِز) بِإِسْكَانِ الْحَاء الْمُهْمَلَة وَبَعْدهَا رَاء وَالصَّوَاب الْأَوَّل. وَهُوَ مِنْ بَنِي مُدْلِج بِضَمِّ الْمِيم وَإِسْكَان الدَّال وَكَسْر اللَّام قَالَ الْعُلَمَاء: وَكَانَتْ الْقِيَافَة فيهمْ وَفِي بَنِي أَسَد تَعْتَرِف لَهُمْ الْعَرَب بِذَلِكَ.
وَمَعْنَى نَظَرَ آنِفًا أَيْ قَرِيبًا وَهُوَ بِمَدِّ الْهَمْزَة عَلَى الْمَشْهُور وَبِقَصْرِهَا وَقُرِئَ بِهِمَا فِي السَّبْع قَالَ الْقَاضِي: قَالَ الْمَازِرِيّ: وَكَانَتْ الْجَاهِلِيَّة تَقْدَح فِي نَسَب أُسَامَة لِكَوْنِهِ أَسْوَد شَدِيد السَّوَاد وَكَانَ زَيْد أَبْيَض، كَذَا قَالَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَحْمَد بْن صَالِح، فَلَمَّا قَضَى، هَذَا الْقَائِف بِإِلْحَاقِ نَسَبه مَعَ اِخْتِلَاف اللَّوْن وَكَانَتْ الْجَاهِلِيَّة تَعْتَمِد قَوْل الْقَائِف فَرِحَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِكَوْنِهِ زَاجِرًا لَهُمْ عَنْ الطَّعْن فِي النَّسَب قَالَ الْقَاضِي: قَالَ غَيْر أَحْمَد بْن صَالِح: كَانَ زَيْد أَزْهَر اللَّوْن وَأُمّ أُسَامَة هِيَ أُمّ أَيْمَن وَاسْمهَا (بَرَكَة) وَكَانَتْ حَبَشِيَّة سَوْدَاء.
قَالَ الْقَاضِي: هِيَ بَرَكَة بِنْت مُحْصَن بْن ثَعْلَبَة بْن عَمْرو بْن حُصَيْن بْن مَالِك بْن سَلَمَة بْن النُّعْمَان وَاَللَّه أَعْلَم.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْعَمَل بِقَوْلِ الْقَائِف، فَنَفَاهُ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه وَالثَّوْرِيّ وَإِسْحَاق وَأَثْبَتَهُ الشَّافِعِيّ وَجَمَاهِير الْعُلَمَاء وَالْمَشْهُور عَنْ مَالِك إِثْبَاته فِي الْإِمَاء وَنَفيه فِي الْحَرَائِر، وَفِي رِوَايَة عَنْهُ إِثْبَاته فيهمَا.
وَدَلِيل الشَّافِعِيّ حَدِيث مُجَزِّز لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرِحَ لِكَوْنِهِ وَجَدَ فِي أُمَّته مَنْ يُمَيِّز أَنْسَابهَا عِنْد اِشْتِبَاههَا وَلَوْ كَانَتْ الْقِيَافَة بَاطِلَة لَمْ يَحْصُل بِذَلِكَ سُرُوره.
وَاتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِالْقَائِفِ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَط فيه الْعَدَالَة وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَلْ يُكْتَفَى بِوَاحِدٍ؟ وَالْأَصَحّ عِنْد أَصْحَابنَا الِاكْتِفَاء بِوَاحِدٍ، وَبِهِ قَالَ اِبْن الْقَاسِم الْمَالِكِيّ.
وَقَالَ مَالِك: يُشْتَرَط اِثْنَانِ، وَبِهِ قَالَ بَعْض أَصْحَابنَا. وَهَذَا الْحَدِيث يَدُلّ لِلِاكْتِفَاءِ بِوَاحِدٍ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابنَا فِي اِخْتِصَاصه بِبَنِي مُدْلِج، وَالْأَصَحّ أَنَّهُ لَا يَخْتَصّ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَط أَنْ يَكُون خَبِيرًا بِهَذَا مُجَرِّبًا وَاتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِالْقَائِفِ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا يَكُون فِيمَا أَشْكَلَ مِنْ وَطْأَيْنِ مُحْتَرَمَيْنِ كَالْمُشْتَرِي وَالْبَائِع يَطَآنِ الْجَارِيَة الْمَبِيعَة فِي طُهْر قَبْل الِاسْتِبْرَاء مِنْ الْأَوَّل، فَتَأْتِي بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُر فَصَاعِدًا مِنْ وَطْء الثَّانِي، وَلِدُونِ أَرْبَع أَشْهُر مِنْ وَطْء الْأَوَّل، وَإِذَا رَجَعْنَا إِلَى الْقَائِف فَأَلْحَقهُ بِأَحَدِهِمَا لَحِقَ بِهِ، فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْهِ أَوْ نَفَاهُ عَنْهُمَا تَرَكَ الْوَلَد حَتَّى يَبْلُغ، فَيُنْتَسَب إِلَى مَنْ يَمِيل إِلَيْهِ مِنْهُمَا. وَإِنْ أَلْحَقَهُ بِهِمَا فَمَذْهَب عُمَر بْن الْخَطَّاب وَمَالِك وَالشَّافِعِيّ أَنَّهُ يَتْرُكهُ يَبْلُغ فَيُنْتَسَب إِلَى مَنْ يَمِيل إِلَيْهِ مِنْهُمَا.
وَقَالَ أَبُو ثَوْر وَسَحْنُون: يَكُون اِبْنًا لَهُمَا.
وَقَالَ الْمَاجِشُونِ وَمُحَمَّد بْن مَسْلَمَة الْمَالِكِيَّانِ: يَلْحَق بِأَكْثَرِهِمَا لَهُ شَبَهًا قَالَ اِبْن مَسْلَمَة: إِلَّا أَنْ يَعْلَم الْأَوَّل فَيَلْحَق بِهِ.
وَاخْتَلَفَ النَّافُونَ لِلْقَائِفِ فِي الْوَلَد الْمُتَنَازِع فيه، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَة: يَلْحَق بِالرَّجُلَيْنِ الْمُتَنَازِعَيْنِ فيه وَلَوْ تَنَازَعَ فيه اِمْرَأَتَانِ لَحِقَ بِهِمَا.
قَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمَّد: يَلْحَق بِالرَّجُلَيْنِ وَلَا يَلْحَق إِلَّا بِامْرَأَةٍ وَاحِدَة.
وَقَالَ إِسْحَاق: يُقْرَع بَيْنهمَا.

.باب قَدْرِ مَا تَسْتَحِقُّهُ الْبِكْرُ وَالثَّيِّبُ مِنْ إِقَامَةِ الزَّوْجِ عِنْدَهَا عَقِبَ الزِّفَافِ:

2650- قَوْله: عَنْ سُفْيَان عْن مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَارِث بْن هِشَام عَنْ أَبِيهِ عَنْ أُمّ سَلَمَة: «أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا تَزَوَّجَ أُمّ سَلَمَة أَقَامَ عِنْدهَا ثَلَاثًا... إِلَخْ»، وَفِي رِوَايَة مَالِك عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن: «أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين تَزَوَّجَ أُمّ سَلَمَة» وَكَذَا رَوَاهُ مِنْ رِوَايَة سُلَيْمَان بْن بِلَال مُرْسَلًا وَرَوَاهُ بَعْد هَذَا مِنْ رِوَايَة حَفْص بْن غِيَاث مُتَّصِلًا كَرِوَايَةِ سُفْيَان.
قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: قَدْ أَرْسَلَهُ عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر وَعَبْد الرَّحْمَن بْن حُمَيْدٍ كَمَا ذَكَرَهُ مُسْلِم. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ اِسْتِدْرَاكه هَذَا عَلَى مُسْلِم فَاسِد، لِأَنَّ مُسْلِمًا رَحِمَهُ اللَّه قَدْ بَيَّنَ اِخْتِلَاف الرُّوَاة فِي وَصْله وَإِرْسَاله، وَمَذْهَبه وَمَذْهَب الْفُقَهَاء وَالْأُصُولِيِّينَ وَمُحَقِّقِي الْمُحَدِّثِينَ أَنَّ الْحَدِيث إِذَا رُوِيَ مُتَّصِلًا وَمُرْسَلًا حُكِمَ بِالِاتِّصَالِ وَوَجَبَ الْعَمَل بِهِ لِأَنَّهَا زِيَادَة ثِقَة وَهِيَ مَقْبُولَة عِنْد الْجَمَاهِير، فَلَا يَصِحّ اِسْتِدْرَاك الدَّارَقُطْنِيِّ وَاَللَّه أَعْلَم.
قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمِّ سَلَمَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا لَمَّا تَزَوَّجَهَا وَأَقَامَ عِنْدهَا ثَلَاثًا: «أَنَّهُ لَيْسَ بِك عَلَى أَهْلك هَوَان إِنْ شِئْت سَبَّعْت لَك وَإِنْ سَبَّعْت لَك سَبَّعْت لِنِسَائِي» وَفِي رِوَايَة: «وَإِنْ شِئْت ثَلَّثْت ثُمَّ دُرْت قَالَتْ: ثَلِّثْ» وَفِي رِوَايَة: «دَخَلَ عَلَيْهَا فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُج أَخَذَتْ بِثَوْبِهِ فَقَالَ رَسُول اللَّه: إِنْ شِئْت زِدْتُك وَحَاسَبْتُك لِلْبِكْرِ سَبْع وَلِلثَّيِّبِ ثَلَاث» وَفِي حَدِيث أَنَس: «لِلْبِكْرِ سَبْع وَلِلثَّيِّبِ ثَلَاث» أَمَّا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ بِك عَلَى أَهْلك هَوَان» فَمَعْنَاهُ لَا يَلْحَقك هَوَان وَلَا يَضِيع مِنْ حَقّك شَيْء بَلْ تَأْخُذِينَهُ كَامِلًا ثُمَّ بَيَّنَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقّهَا وَأَنَّهَا مُخَيَّرَة بَيْن ثَلَاث بِلَا قَضَاء وَبَيْن سَبْع وَيَقْضِي لِبَاقِي نِسَائِهِ لِأَنَّ فِي الثَّلَاثَة مَزِيَّة بِعَدَمِ الْقَضَاء، وَفِي السَّبْع مَزِيَّة لَهَا بِتَوَالِيهَا وَكَمَال الْأُنْس فيها، فَاخْتَارَتْ الثَّلَاث لِكَوْنِهَا لَا تُقْضَى وَلِيَقْرَب عَوْده إِلَيْهَا فَإِنَّهُ يَطُوف عَلَيْهِنَّ لَيْلَة لَيْلَة ثُمَّ يَأْتِيهَا، وَلَوْ أَخَذَتْ سَبْعًا طَافَ بَعْد ذَلِكَ عَلَيْهِنَّ سَبْعًا سَبْعًا فَطَالَتْ غَيْبَته عَنْهَا.
قَالَ الْقَاضِي: الْمُرَاد بِأَهْلِك هُنَا نَفْسه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْ لَا أَفْعَل فِعْلًا بِهِ هَوَانك عَلَيَّ.
وَفِي هَذَا الْحَدِيث اِسْتِحْبَاب مُلَاطَفَة الْأَهْل وَالْعِيَال وَغَيْرهمْ وَتَقْرِيب الْحَقّ مِنْ فَهْم الْمُخَاطَب لِيَرْجِع إِلَيْهِ، وَفيه الْعَدْل بَيْن الزَّوْجَات.
وَفيه أَنَّ حَقّ الزِّفَاف ثَابِت لِلْمَزْفُوفَةِ وَتَقَدَّمَ بِهِ عَلَى غَيْرهَا فَإِنْ كَانَتْ بِكْر كَانَ لَهَا سَبْع لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا بِلَا قَضَاء، وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا كَانَ لَهَا الْخِيَار إِنْ شَاءَتْ سَبْعًا، وَيَقْضِي السَّبْع لِبَاقِي النِّسَاء، وَإِنْ شَاءَتْ ثَلَاثًا وَلَا يَقْضِي. هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَمُوَافِقِيهِ وَهُوَ الَّذِي ثَبَتَتْ فيه هَذِهِ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ مَالِك وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَابْن جَرِير وَجُمْهُور الْعُلَمَاء.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَالْحَكَم وَحَمَّاد: يَجِب قَضَاء الْجَمِيع فِي الثَّيِّب وَالْبِكْر وَاسْتَدَلُّوا بِالظَّوَاهِرِ الْوَارِدَة بِالْعَدْلِ بَيْن الزَّوْجَات.
وَحُجَّة الشَّافِعِيّ هَذِهِ الْأَحَادِيث وَهِيَ مُخَصَّصَة لِلظَّوَاهِرِ الْعَامَّة.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي أَنَّ هَذَا الْحَقّ لِلزَّوْجِ أَوْ لِلزَّوْجَةِ الْجَدِيدَة، وَمَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْجُمْهُور أَنَّهُ حَقّ لَهَا، وَقَالَ بَعْض الْمَالِكِيَّة: حَقّ لَهُ عَلَى بَقِيَّة نِسَائِهِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي اِخْتِصَاصه بِمَنْ لَهُ زَوْجَات غَيْر الْجَدِيدَة.
قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ: جُمْهُور الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ ذَلِكَ حَقّ لِلْمَرْأَةِ بِسَبَبِ الزِّفَاف سَوَاء كَانَ عِنْده زَوْجَة أَمْ لَا لِعُمُومِ الْحَدِيث: «إِذَا تَزَوَّجَ الْبِكْر أَقَامَ عِنْدهَا سَبْعًا وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّب أَقَامَ عِنْدهَا ثَلَاثًا»، لَمْ يَخُصّ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ زَوْجَة.
وَقَالَتْ طَائِفَة: الْحَدِيث فِيمَنْ لَهُ زَوْجَة أَوْ زَوْجَات غَيْر هَذِهِ لِأَنَّ مَنْ لَا زَوْجَة لَهُ فَهُوَ مُقِيم مَعَ هَذِهِ كُلّ دَهْره مُؤْنِس لَهَا مُتَمَتِّع بِهَا مُسْتَمْتِعَة بِهِ بِلَا قَاطِع بِخِلَافِ مَنْ لَهُ زَوْجَات فَإِنَّهُ جُعِلَتْ هَذِهِ الْأَيَّام لِلْجَدِيدَةِ تَأْنِيسًا لَهَا مُتَّصِلًا لِتَسْتَقِرّ عِشْرَتهَا لَهُ وَتَذْهَب حِشْمَتهَا وَوَحْشَتهَا مِنْهُ، وَيَقْضِي كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا لَذَّته مِنْ صَاحِبه وَلَا يَنْقَطِع بِالدَّوَرَانِ عَلَى غَيْرهَا. وَرَجَّحَ الْقَاضِي عِيَاض هَذَا الْقَوْل وَبِهِ جَزَمَ الْبَغَوِيُّ مِنْ أَصْحَابنَا فِي فَتَاوِيه فَقَالَ: إِنَّمَا يَثْبُت هَذَا الْحَقّ لِلْجَدِيدَةِ إِذَا كَانَ عِنْده أُخْرَى يَبِيت عِنْدهَا فَإِنْ لَمْ تَكُنْ أُخْرَى أَوْ كَانَ لَا يَبِيت عِنْدهَا لَمْ يَثْبُت لِلْجَدِيدَةِ حَقّ الزِّفَاف، كَمَا لَا يَلْزَمهُ أَنْ يَبِيت عِنْد زَوْجَاته اِبْتِدَاء، وَالْأَوَّل أَقْوَى وَهُوَ الْمُخْتَار لِعُمُومِ الْحَدِيث.
وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ هَذَا الْمَقَام عِنْد الْبِكْر وَالثَّيِّب إِذَا كَانَ لَهُ زَوْجَة أُخْرَى وَاجِب أَمْ مُسْتَحَبّ فَمَذْهَب الشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه وَمُوَافِقِيهِمْ أَنَّهُ وَاجِب وَهِيَ رِوَايَة اِبْن الْقَاسِم عَنْ مَالِك وَرُوِيَ عَنْهُ اِبْن عَبْد الْحَكَم أَنَّهُ عَلَى الِاسْتِحْبَاب.
2651- سبق شرحه بالباب.
2652- سبق شرحه بالباب.
2653- سبق شرحه بالباب.
2654- قَوْله: (قَالَ خَالِد وَلَوْ قُلْت إِنَّهُ رَفَعَهُ لَصَدَقْت) وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى (لَوْ شِئْت قُلْت: رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مَعْنَاهُ أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَة وَهِيَ قَوْله: (مِنْ السُّنَّة كَذَا)، صَرِيحَة فِي رَفْعه فَلَوْ شِئْت أَنْ أَقُولهَا بِنَاء عَلَى الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى لَقُلْتهَا وَلَوْ قُلْتهَا كُنْت صَادِقًا وَاَللَّه أَعْلَم.
2655- قَوْله: (عَنْ أَنَس قَالَ: مِنْ السُّنَّة أَنْ يُقِيم عِنْد الْبِكْر سَبْعًا) هَذَا اللَّفْظ يَقْتَضِي رَفْعه إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا قَالَ الصَّحَابِيّ: السُّنَّة كَذَا، أَوْ: مِنْ السُّنَّة كَذَا، فَهُوَ فِي الْحُكْم كَقَوْلِهِ: قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَذَا. هَذَا مَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْمُحَدِّثِينَ وَجَمَاهِير السَّلَف وَالْخَلَف وَجَعَلَهُ بَعْضهمْ مَوْقُوفًا وَلَيْسَ بِشَيْءٍ.

.باب الْقَسْمِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ وَبَيَانِ أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ تَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ لَيْلَةٌ مَعَ يَوْمِهَا:

مَذْهَبنَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمهُ أَنْ يَقْسِم لِنِسَائِهِ بَلْ لَهُ اِجْتِنَابهنَّ كُلّهنَّ، لَكِنْ يُكْرَه تَعْطِيلهنَّ مَخَافَة مِنْ الْفِتْنَة عَلَيْهِنَّ وَالْإِضْرَار بِهِنَّ، فَإِنْ أَرَادَ الْقَسْم لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَبْتَدِئ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ إِلَّا بِقُرْعَةٍ وَيَجُوز أَنْ يَقْسِم لَيْلَة لَيْلَة وَلَيْلَتَيْنِ لَيْلَتَيْنِ وَثَلَاثًا ثَلَاثًا وَلَا يَجُوز أَقَلّ مِنْ لَيْلَة وَلَا يَجُوز الزِّيَادَة عَلَى الثَّلَاثَة إِلَّا بِرِضَاهُنَّ هَذَا هُوَ الصَّحِيح فِي مَذْهَبنَا.
وَفيه أَوْجُه ضَعِيفَة فِي هَذِهِ الْمَسَائِل غَيْر مَا ذَكَرْته وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَجُوز أَنْ يَطُوف عَلَيْهِنَّ كُلّهنَّ وَيَطَأهُنَّ فِي السَّاعَة الْوَاحِدَة بِرِضَاهُنَّ وَلَا يَجُوز ذَلِكَ بِغَيْرِ رِضَاهُنَّ وَإِذَا قَسَمَ كَانَ لَهَا الْيَوْم الَّذِي بَعْد لَيْلَتهَا. وَيَقْسِم لِلْمَرِيضَةِ وَالْحَائِض وَالنُّفَسَاء لِأَنَّهُ يَحْصُل لَهَا الْأُنْس بِهِ، وَلِأَنَّهُ يَسْتَمْتِع بِهَا بِغَيْرِ الْوَطْء مِنْ قُبْلَة وَنَظَر وَلَمْس وَغَيْر ذَلِكَ.
قَالَ أَصْحَابنَا وَإِذَا قَسَمَ لَا يَلْزَمهُ الْوَطْء وَلَا التَّسْوِيَة فيه بَلْ لَهُ أَنْ يَبِيت عِنْدهنَّ، وَلَا يَطَأ وَاحِدَة مِنْهُنَّ وَلَهُ أَنْ يَطَأ بَعْضهنَّ فِي نَوْبَتهَا دُون بَعْض، لَكِنْ يُسْتَحَبّ أَلَّا يُعَطِّلهُنَّ وَأَنْ يُسَوِّي بَيْنهنَّ فِي ذَلِكَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَاَللَّه أَعْلَم.
2656- قَوْله: «كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِسْع نِسْوَة، فَكَانَ إِذَا قَسَمَ بَيْنهنَّ لَا يَنْتَهِي إِلَى الْمَرْأَة الْأُولَى إِلَّا فِي تِسْع، وَكُنَّ يَجْتَمِعْنَ كُلّ لَيْلَة فِي بَيْت الَّتِي يَأْتِيهَا، فَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْت عَائِشَة، فَجَاءَتْ زَيْنَب فَمَدّ يَده إِلَيْهَا، فَقَالَتْ: هَذِهِ زَيْنَب فَكَفّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَده فَتَقَاوَلَتَا حَتَّى اِسْتَخْبَتَا، فَمَرَّ أَبُو بَكْر عَلَى ذَلِكَ فَسَمِعَ أَصْوَاتهمَا فَقَالَ اُخْرُجْ يَا رَسُول اللَّه إِلَى الصَّلَاة وَاحْثُ فِي أَفْوَاههنَّ التُّرَاب» أَمَّا قَوْله (تِسْع نِسْوَة) فَهُنَّ اللَّاتِي تُوُفِّيَ عَنْهُنَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُنَّ عَائِشَة وَحَفْصَة وَسَوْدَة وَزَيْنَب وَأُمّ سَلَمَة وَأُمّ حَبِيبَة وَمَيْمُونَة وَجُوَيْرِيَّة وَصْفِيَّة رَضِيَ اللَّه عَنْهُنَّ.
وَيُقَال نِسْوَة وَنِسْوَة بِكَسْرِ النُّون وَضَمّهَا لُغَتَانِ أَفْصَح وَأَشْهَر وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآن الْعَزِيز.
وَأَمَّا قَوْله: «فَكَانَ إِذَا قَسَمَ لَهُنَّ لَا يَنْتَهِي إِلَى الْأُولَى فِي تِسْع»، فَمَعْنَاهُ بَعْد اِنْقِضَاء التِّسْع، وَفيه أَنَّهُ يُسْتَحَبّ أَلَّا يَزِيد فِي الْقَسْم عَلَى لَيْلَة لَيْلَة لِأَنَّ فيه مُخَاطَرَة بِحُقُوقِهِنَّ.
وَأَمَّا قَوْله: «كُنَّ يَجْتَمِعْنَ كُلّ لَيْلَة إِلَى آخِره»، فَفيه أَنْ يُسْتَحَبّ لِلزَّوْجِ أَنْ يَأْتِي كُلّ اِمْرَأَة فِي بَيْتهَا وَلَا يَدْعُهُنَّ إِلَى بَيْته، لَكِنْ لَوْ دَعَا كُلّ وَاحِدَة فِي نَوْبَتهَا إِلَى بَيْته كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَهُوَ خِلَاف الْأَفْضَل، وَلَوْ دَعَاهَا إِلَى بَيْت ضَرَائِرهَا لَمْ تَلْزَمهَا الْإِجَابَة، وَلَا تَكُون بِالِامْتِنَاعِ نَاشِزَة. بِخِلَافِ مَا إِذَا اِمْتَنَعَتْ مِنْ الْإِتْيَان إِلَى بَيْته لِأَنَّ عَلَيْهَا ضَرَرًا فِي الْإِتْيَان إِلَى ضَرَّتهَا وَهَذَا الِاجْتِمَاع كَانَ بِرِضَاهُنَّ.
وَفيه أَنَّهُ لَا يَأْتِي غَيْر صَاحِبَة النَّوْبَة فِي بَيْتهَا فِي اللَّيْل بَلْ ذَلِكَ حَرَام عِنْدنَا إِلَّا لِضَرُورَةٍ بِأَنْ حَضَرَهَا الْمَوْت أَوْ نَحْوه مِنْ الضَّرُورَات.
وَأَمَّا مَدّ يَده إِلَى زَيْنَب وَقَوْل عَائِشَة: «هَذِهِ زَيْنَب» فَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَمْدًا بَلْ ظَنَّهَا عَائِشَة صَاحِبَة النَّوْبَة لِأَنَّهُ كَانَ فِي اللَّيْل وَلَيْسَ فِي الْبُيُوت مَصَابِيح.
وَقِيلَ: كَانَ مِثْل هَذَا بِرِضَاهُنَّ.
وَأَمَّا قَوْله: «حَتَّى اِسْتَخْبَتَا» فَهُوَ بِخَاءٍ مُعْجَمَة، ثُمَّ بَاء مُوَحَّدَة مَفْتُوحَتَيْنِ، ثُمَّ تَاء مُثَنَّاة فَوْق. مِنْ السَّخَب وَهُوَ اِخْتِلَاط الْأَصْوَات وَارْتِفَاعهَا، وَيُقَال أَيْضًا: صَخَب بِالصَّادِ هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَم الْأُصُول، وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ رِوَايَة الْجُمْهُور. وَفِي بَعْض النُّسَخ: «اُسْتُخْبِثَتَا» بِثَاءٍ مُثَلَّثَة، أَيْ قَالَتَا الْكَلَام الرَّدِيء، وَفِي بَعْضهَا: «اِسْتَحْيَتَا» مِنْ الِاسْتِيحَاء. وَنَقَلَ الْقَاضِي عَنْ رِوَايَة بَعْضهمْ: «اُسْتُحِثَّتَا» بِمُثَلَّثَةِ ثُمَّ مُثَنَّاة، قَالَ: وَمَعْنَاهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ تَصْحِيفًا أَنَّ كُلّ وَاحِدَة حُثَّتْ فِي وَجْه الْأُخْرَى التُّرَاب.
وَفِي هَذَا الْحَدِيث مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حُسْن الْخُلُق وَمُلَاطَفَة الْجَمِيع.
وَقَدْ يَحْتَجّ الْحَنَفِيَّة بِقَوْلِهِ: «مَدّ يَده ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاة وَلَمْ يَتَوَضَّأ» وَلَا حُجَّة فيه فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُر أَنَّهُ لَمَسَ بِلَا حَائِل، وَلَا يَحْصُل مَقْصُودهمْ حَتَّى يَثْبُت أَنَّهُ لَمَسَ بَشَرَتهَا بِلَا حَائِل، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأ وَلَيْسَ فِي الْحَدِيث شَيْء مِنْ هَذَا.
وَأَمَّا قَوْله: «اُحْثُ فِي أَفْوَاههنَّ التُّرَاب» فَمُبَالَغَة فِي زَجْرهنَّ وَقَطْع خِصَامهنَّ.
وَفيه فَضِيلَة لِأَبِي بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَشَفَقَته وَنَظَره فِي الْمَصَالِح، وَفيه إِشَارَة الْمَفْضُول عَلَى صَاحِبه الْفَاضِل بِمَصْلَحَتِهِ وَاَللَّه أَعْلَم.

.باب جَوَازِ هِبَتِهَا نَوْبَتَهَا لِضَرَّتِهَا:

2657- قَوْله: «عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا مَا رَأَيْت اِمْرَأَة أَحَبّ إِلَيَّ أَنْ أَكُون فِي مِسْلَاخهَا مِنْ سَوْدَة بِنْت زَمْعَة مِنْ اِمْرَأَة فيها حِدَة» (الْمِسْلَاخ) بِكَسْرِ الْمِيم وَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَهُوَ الْجِلْد وَمَعْنَاهُ أَنْ أَكُون أَنَا هِيَ، و(زَمْعَة) بِفَتْحِ الْمِيم وَإِسْكَانهَا وَقَوْلهَا (مِنْ اِمْرَأَة) قَالَ الْقَاضِي (مِنْ) هُنَا لِلْبَيَانِ وَاسْتِفْتَاح الْكَلَام، وَلَمْ تَرُدّ عَائِشَة عَيْب سَوْدَة بِذَلِكَ، بَلْ وَصَفَتْهَا بِقُوَّةِ النَّفْس وَجَوْدَة الْقَرِيحَة وَهِيَ الْحِدَة بِكَسْرِ الْحَاء.
قَوْلهَا: «فَلَمَّا كَبِرَتْ جَعَلَتْ يَوْمهَا مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَة» فيه جَوَاز هِبَتهَا نَوْبَتهَا لِضَرَّتِهَا، لِأَنَّهُ حَقّهَا، لَكِنْ يُشْتَرَط رِضَا الزَّوْج بِذَلِكَ، لِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي الْوَاهِبَة فَلَا يَفُوتهُ إِلَّا بِرِضَاهُ وَلَا يَجُوز أَنْ تَأْخُذ عَلَى هَذِهِ الْهِبَة عِوَضًا، وَيَجُوز أَنْ تَهَب لِلزَّوْجِ فَيَجْعَل الزَّوْج نَوْبَتهَا لِمَنْ شَاءَ وَقِيلَ: يَلْزَمهُ تَوْزِيعهَا عَلَى الْبَاقِيَات، وَيَجْعَل الْوَاهِبَة كَالْمَعْدُومَةِ وَالْأَوَّل أَصَحّ، وَلِلْوَاهِبَةِ الرُّجُوع مَتَى شَاءَتْ، فَتَرْجِع فِي الْمُسْتَقْبَل دُون الْمَاضِي لِأَنَّ الْهِبَات يَرْجِع فِيمَا لَمْ يَقْبِض مِنْهَا دُون الْمَقْبُوض.
وَقَوْلهَا: «جَعَلَتْ يَوْمهَا»، أَيْ نَوْبَتهَا وَهِيَ يَوْم وَلَيْلَة.
وَقَوْلهَا: «كَانَ يَقْسِم لِعَائِشَة يَوْمَيْنِ يَوْمهَا وَيَوْم سَوْدَة» مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ يَكُون عِنْد عَائِشَة فِي يَوْمهَا وَيَكُون عِنْدهَا أَيْضًا فِي يَوْم سَوْدَة، لَا أَنَّهُ يُوَالِي لَهَا الْيَوْمَيْنِ. وَالْأَصَحّ عِنْد أَصْحَابنَا أَنَّهُ لَا يَجُوز الْمُوَالَاة لِلْمَوْهُوبِ لَهَا إِلَّا بِرِضَى الْبَاقِيَات. وَجَوَّزَهُ بَعْض أَصْحَابنَا بِغَيْرِ رِضَاهُنَّ وَهُوَ ضَعِيف.
قَوْلهَا: «وَكَانَتْ أَوَّل اِمْرَأَة تَزَوَّجَهَا بَعْدِي»، كَذَا ذَكَرَهُ مُسْلِم مِنْ رِوَايَة يُونُس عَنْ شَرِيك أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَ عَائِشَة قَبْل سَوْدَة، وَكَذَا ذَكَرَهُ يُونُس أَيْضًا عَنْ الزُّهْرِيّ وَعَنْ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن عَقِيل وَرُوِيَ عَقِيل بْن خَالِد عَنْ الزُّهْرِيّ أَنَّهُ تَزَوَّجَ سَوْدَة قَبْل عَائِشَة، قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ: وَهَذَا قَوْل قَتَادَة وَأَبِي عُبَيْدَة، قُلْت: وَقَالَهُ أَيْضًا مُحَمَّد بْن إِسْحَاق وَمُحَمَّد بْن سَعْد كَاتِب الْوَاقِدِيّ وَابْن قُتَيْبَة وَآخَرُونَ.
2658- قَوْله: «عَنْ عَائِشَة قَالَتْ: كُنْت أَغَارَ عَلَى اللَّاتِي وَهَبْنَ أَنْفُسهنَّ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَقُول: وَتَهَب الْمَرْأَة نَفْسهَا؟ فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى: {تُرْجِي مَنْ تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْك مَنْ تَشَاء}» إِلَى آخِره. هَذَا مِنْ خَصَائِص رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ زَوَاج مَنْ وَهَبَتْ نَفْسهَا لَهُ بِلَا مَهْر.
قَالَ اللَّه تَعَالَى: {خَالِصَة لَك مِنْ دُون الْمُؤْمِنِينَ}.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي هَذِهِ الْآيَة وَهِيَ قَوْله تَعَالَى: {تُرْجِي مَنْ تَشَاء} فَقِيلَ نَاسِخَة لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا يَحِلّ لَك النِّسَاء مِنْ بَعْد} وَمُبِيحَة لَهُ أَنْ يَتَزَوَّج مَا شَاءَ. وَقِيلَ بَلْ نُسِخَتْ تِلْكَ الْآيَة بِالسُّنَّةِ قَالَ زَيْد بْن أَرْقَم: تَزَوَّجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد نُزُول هَذِهِ الْآيَة مَيْمُونَة وَمُلَيْكَة وَصْفِيَّة وَجُوَيْرِيَّة، وَقَالَتْ عَائِشَة: مَا مَاتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أُحِلّ لَهُ النِّسَاء وَقِيلَ عَكْس هَذَا وَأَنَّ قَوْله تَعَالَى: {لَا يَحِلّ لَك النِّسَاء} نَاسِخَة لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {تُرْجِي مَنْ تَشَاء}. وَالْأَوَّل أَصَحّ.
قَالَ أَصْحَابنَا: الْأَصَحّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا تُوُفِّيَ حَتَّى أُبِيحَ لَهُ النِّسَاء مَعَ أَزْوَاجه.
قَوْلهَا: «مَا أَرَى رَبّك إِلَّا يُسَارِع فِي هَوَاك» هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَة مِنْ أَرَى وَمَعْنَاهُ يُخَفِّف عَنْك وَيُوَسِّع عَلَيْك فِي الْأُمُور وَلِهَذَا خَيَّرَك.
2660- قَوْله: أَخْبَرَنَا اِبْن جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاء قَالَ: «حَضَرْنَا مَعَ اِبْن عَبَّاس جِنَازَة مَيْمُونَة زَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَرِفَ» اِتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهَا تُوُفِّيَتْ بِسَرِفَ بِفَتْحِ السِّين وَكَسْر الرَّاء وَبِالْفَاءِ، وَهُوَ مَكَان بِقُرْبِ مَكَّة بَيْنه وَبَيْنهَا سِتَّة أَمْيَال وَقِيلَ سَبْعَة وَقِيلَ تِسْعَة وَقِيلَ اِثْنَا عَشَر.
قَوْله: «كَانَ عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِسْع يَقْسِم لِثَمَانٍ وَلَا يَقْسِم لِوَاحِدَةٍ» قَالَ عَطَاء الَّتِي لَا يَقْتَسِم لَهَا صَفِيَّة بِنْت حَيّ بْن أَخْطَب.
أَمَّا قَوْله (تِسْع) فَصَحِيح وَهُنَّ مَعْرُوفَات سَبَقَ بَيَان أَسْمَائِهِنَّ قَرِيبًا. وَقَوْله: (يَقْسِم لِثَمَانِ) شُهُور وَأَمَّا قَوْله عَطَاء الَّتِي لَا يَقْسِم لَهَا صَفِيَّة، فَقَالَ الْعُلَمَاء: هُوَ وَهْم مِنْ اِبْن جُرَيْجٍ الرَّاوِي عَنْ عَطَاء وَإِنَّمَا الصَّوَاب سَوْدَة كَمَا سَبَقَ فِي الْأَحَادِيث.
وَاخْتَلَفُوا فِي الَّتِي وَهَبَتْ نَفْسهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ الزُّهْرِيّ: هِيَ مَيْمُونَة.
وَقِيلَ: أُمّ شَرِيك.
وَقِيلَ: زَيْنَب بِنْت خُزَيْمَةَ.
قَوْله: قَالَ عَطَاء (كَانَتْ آخِرهنَّ مَوْتًا مَاتَتْ بِالْمَدِينَةِ) قَالَ الْقَاضِي: ظَاهِر كَلَام عَطَاء أَنَّهُ أَرَادَ بِآخِرِهِنَّ مَوْتًا مَيْمُونَة وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْحَدِيث أَنَّهَا مَاتَ بِسَرِفَ وَهِيَ بِقُرْبِ مَكَّة، فَقَوْله: بِالْمَدِينَةِ، وَهُمْ.
قَوْله: آخِرهنَّ مَوْتًا، قِيلَ: مَاتَتْ مَيْمُونَة سَنَة ثَلَاث وَسِتِّينَ، وَقِيلَ: سِتّ وَسِتِّينَ وَقِيلَ: إِحْدَى وَخَمْسِينَ قَبْل عَائِشَة، لِأَنَّ عَائِشَة تُوُفِّيَتْ سَنَة سَبْع، وَقِيلَ: ثَمَان وَخَمْسِينَ، وَأَمَّا صَفِيَّة فَتُوُفِّيَتْ سَنَة خَمْسِينَ بِالْمَدِينَةِ، هَذَا كَلَام الْقَاضِي، وَيُحْتَمَل أَنَّ قَوْله (مَاتَتْ بِالْمَدِينَةِ) عَائِد عَلَى صَفِيَّة وَلَفْظه فيه صَحِيح يَحْتَمِلهُ أَوْ ظَاهِر فيه وَاَللَّه أَعْلَم.